السيد كمال الحيدري
49
مقدمات منهجية في علم أصول الفقه
فتحصّل لدينا إلى الآن - في بحثنا حول تاريخ العلوم - : أنّ هناك قسماً من العلوم جاءنا من الخارج وقد وقع الخلاف فيه بين اتّجاهين هما الرفض والقبول . وقسمٌ آخر من العلوم نشأ وترعرع ونضج في داخل البيئة الإسلاميّة ، كعلم الحديث ، وعلم النحو ، وعلم الأصول الذي لا تجد أبحاثه في غير العلوم الإسلاميّة ، وقد استُحدِث في بيئة الفكر الإسلامي ، والكلام فيه هو أنّه قد دخلت فيه جملة من المباحث والعلوم الفلسفيّة والمنطقيّة بمقدار الحاجة إليها في الأبحاث الأصوليّة ، كالذي يحصل في علم الكلام حيث تجري الاستفادة في المنطق في الشكل الأوّل والثاني ، وفي الأصول أبحاث على هذا النحو مثل الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي ، القائمة على أساس التضادّ بين الأحكام ، وشروط التضادّ وشروط التناقض . إذن سواءً قلنا بأنّ علم الأصول علمٌ إسلاميّ استحدثناه في داخل بيئتنا ، وقبلنا بأنّ الفلسفة والعرفان والمنطق علوم مستوردة ، أو قلنا غير ذلك ، فالواقع العملي والتطبيقي يقودنا إلى القول بأنّ هذه العلوم متداخلة مع علم الأصول ، ولا طريق يوصل إليه إلّا هذه العلوم . ومن المفيد الرجوع إلى ما كتبه الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر تحت عنوان : « مصادر الإلهام للفكر الأصولي » حيث بيّن المصادر والعوامل التي كانت تلهم الفكر الأصولي وتمدّه بالجديد من النظريّات ، ولخّص مصادر الإلهام بصورة موجزة فقال : 1 . بحوث التطبيق في الفقه ، فإنّ الفقيه تتكشّف لديه من خلال بحثه الفقهي التطبيقي المشاكل العامّة في عمليّة الاستنباط . 2 . علم الكلام ، فقد لعب دوراً مهمّاً في تموين الفكر الأصولي وإمداده ، وبخاصّة في العصر الأوّل والثاني ، لأنّ الدراسات الكلاميّة كانت منتشرة وذات نفوذ كبير على الذهنيّة العامّة لعلماء المسلمين ، حين بدا علم الأصول